وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ والنازعات غَرْقاً ﴾ :
أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، على أن القيامة حقٌّ.
و"النازعاتِ" : الملائكة التي تنزِع أرواحَ الكفار ؛ قاله عليّ رضي الله عنه، وكذا قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد : هي الملائكة تَنْزِع نفوس بني آدم.
قال ابن مسعود : يريد أنفسَ الكُفار يَنْزِعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نَزْعاً كالسَّفُّود يُنزَع من الصُّوف الرَّطْب، ثم يغرِقها، أي يرجعها في أجسادهم، ثم ينزِعها ؛ فهذا عمله بالكفار.
وقاله ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير : نُزِعت أرواحهم، ثم غرقت، ثم حُرِقت ؛ ثم قُذِف بها في النار.
وقيل : يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرَق.
وقال السُّدِّيّ : و "النازِعاتِ" هي النفوس حين تَغْرَق في الصدور.
مجاهد : هي الموت ينزِع النفوس.
الحسن وقتادة : هي النجومُ تنزِع من أفق إلى أفق ؛ أي تذهب، من قولهم : نَزَع إليه أي ذهب، أو من قولهم : نَزَعَت الخيل أي جرت.
﴿ غَرْقاً ﴾ أي إنها تغرقَ وتغيب وتطلُع من أفق إلى أفق آخر.
وقاله أبو عُبيدة وابن كَيسان والأخفش.
وقيل : النازعات القِسِيّ تنزِع بالسّهام ؛ قاله عطاء وعِكْرمة.
و"غَرْقا" بمعنى إغراقاً ؛ وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المدّ، حتى ينتهي إلى النصل.
يقال : أغرق في القوس أي استوفى مدّها، وذلك بأن تنتهي إلى العَقَب الذي عند النصل الملفوف عليه.
والاستغراق الاستيعاب.
ويقال لقشرة البيضة الداخلة :"غِرقِىء".
وقيل : هم الغُزاة الرُّماة.
قلت : هو والذي قبله سواء ؛ لأنه إذا أقسم بالقِسِيّ فالمراد النازعون بها تعظيماً لها ؛ وهو مثل قوله تعالى :﴿ والعاديات ضَبْحاً ﴾ [ العاديات : ١ ] والله أعلم.
وأراد بالإغراق : المبالغة في النزع وهو سائغ في جميع وجوه تأويلها.
وقيل : هي الوحش تنزِع من الكلأ وتنفر.
حكاه يحيى بن سلام.


الصفحة التالية
Icon