لطول أعناقِها لأنها عِرابٌ وتخرجُ منْ دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربِ وتسبحُ في جَريها لتسبقَ إلى الغايةِ فتدبرُ أمرَ الظفرِ والغلبةِ، وإسنادُ التدبيرِ إليها لأنَّها من أسبابِه. هذا والذي يليقُ بشأنِ التنزيلِ هُو الأولُ.
وقولُه تعالى :﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة ﴾ منصوبٌ بالجوابِ المُضمرِ، والمرادُ بالراجفةِ الواقعةُ التي ترجفُ عندَهَا الأجرامُ الساكنةُ، أي تتحركُ حركةً شديدةً وتتزلزلُ زلزلةً عظيمةً كالأرضِ والجبالِ، وهيَ النَّفخةُ الأُولى، وقيلَ : الرَّاجفةُ الأرضُ والجبالُ لقولِه تعالى :﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ وقولُه تعالَى :﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ أي الواقعةُ التي تُردِفُ الأُولى، وهيَ النفخةُ الثانيةُ حالٌ من الراجفةُ مصححةٌ لوقوعِ اليومِ ظرفاً للبعثِ أي لتبعثنَّ يومَ النفخةِ الأُولى حالَ كونِ النفخةِ الثانيةِ تابعةً لها لا قبلَ ذلكَ فإنَّه عبارةٌ عن الزمانِ الممتدِّ الذي يقعُ فيهِ النفختانِ وبينهما أربعونَ سنةً واعتبارُ امتدادِه معَ أنَّ البعثَ لا يكونُ إلا عنذَ النفخةِ الثانيةِ لتهويل اليومِ ببيان كونِه موقعاً لداهيتينِ عظيمتينِ لا يَبْقى عندَ وقوعِ الأُولى حيٌّ إلا ماتَ ولا عندَ وقوعِ الثانيةِ ميتٌ إلا بُعثَ وقامَ، ووجْهُ إضافتِه إلى الأُولى ظَاهِرٌ وقيلَ : يومَ ترجفُ منصوبٌ باذكُرْ فتكونُ الجملةُ استئنافاً مقرراً لمضمون الجوابِ المُضْمرِ كأنَّه قيلَ لرسولِ الله ﷺ : اذكُر لهم يومَ النفختينِ فإنه وقتُ بعثِهم، وقيلَ : هو منصوبٌ بما دلَّ عليه قولُه تعالَى :﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي يومَ ترجفُ وجفتِ القلوبُ، قيلَ : قلوبٌ مبتدأٌ ويومئذٍ متعلقٌ بواجفةٌ وهيَ صفةٌ لقلوبٌ مُسوِّغةٌ لوقوعِه مبتدأً.