وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أيّ حاجة له إلى أن يقبله هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله. ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن أهل الخبائث لا يمسها إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف ﴿ بأيدي سفرة ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة : هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مرّ في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ويتضح. قال الفراء : اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضاً ﴿ كرام ﴾ على ربهم. وقال عطاء : أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة ﴿ بررة ﴾ أتقياء واحدها بارّ. وقيل : هي صحف الأنبياء فيكون كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ [ الأعلى : ١٨ ] وقيل : السفرة القراء. وقيل : الصحابة ثم عجب من صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن أوّلهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال ﴿ قتل الإنسان ﴾ وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل و ﴿ ما أكفره ﴾ تعجب من حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه تعالى إلا على إرادة إيصال العقاب الشديد وليكون لطفاً للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم التي أوّلها نطفة وأشار إيلها بقوله ﴿ من أي شيء خلقه من نطفة ﴾ والاستفهام لزيادة التقرير في التحقير.