أجيب : بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء : قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا.
وقيل : الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى :﴿من نطفة خلقه﴾ ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى :﴿فقدّره﴾ أي : أطواراً وقيل : سوّاه كقوله تعالى :﴿ثم سوّاك رجلاً﴾ (الكهف :)
أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى :﴿وخلق كل شيء فقدّره تقديراً﴾ (الفرقان :)
ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى :﴿ثم﴾ بعد انتهاء المدّة ﴿السبيل﴾ أي : طريق خروجه من بطن أمّه ﴿يسره﴾ أي : سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم وألهمه الخروج منه، ولا شك أنّ خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال : إنه كان رأسه في بطن أمّه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى :﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد :)
أي : التمييز بين الخير والشرّ.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد : سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه لقوله ﷺ "كل ميسر لما خلق له". ثم ذكر المرتبة الأخيرة بقوله تعالى :﴿ثم أماته﴾ وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء المعقبة في قوله تعالى :﴿فأقبره﴾ أي : جعله في قبر يستره إكراماً له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها.


الصفحة التالية
Icon