وقيل : عميَ رضي الله عنه بعد نور. وقيل : ولد أعمى ؛ ولذا لقبت أمُّه أم مكتوم. والتعرض لعنوان عماه ؛ إما لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه ﷺ وتشاغله بالقوم، وإما لزيادة الإنكار، كأنه قيل : تولى لكونه أعمى. وكان يجب أن يزيده لعماه، تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً.
﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴾ أي : يتطهر - بما يتلَقن منك - من الجهل أو الإثم. وفي الالتفات إلى الخطاب إنكار للمواجهة بالعتب أولاً ؛ إذ في الغيبة إجلال له ﷺ ؛ لإيهام أن من صَدر منه ذلك غيره، لأنه لا يصدر عنه مثله ؛ كما أن في الخطاب إيناساً بعد الإيحاش، وإقبالاً بعد إعراض.
وقال أبو السعود : وكلمة لعلَّ مع تحقق التزكي واردةٌ على سنن الكبرياء، أو على اعتبار معنى الترجي بالنسبة إليه ﷺ ؛ للتنبيه على أن الإعراض عنه عند كونه مرجوَّ التزكي، مما لا يجوز، فكيف إذا كان مقطوعاً بالتزكي ؟ كما في قولك : لعلك ستندم على ما فعلت. وفيه إشارة إلى أن إعراضه كان لتزكية غيره. وأن من تصدى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى منهم التزكي والتذكر أصلاً.
﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ﴾ أي : يعتبر ويتعظ فتنفعه موعظتك. وتقديم التزكية على التذكر من باب تقديم التخلية على التحلية.
﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴾ أي : بماله وقوته عن سماع القرآن والهداية والموعظة.
﴿ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ﴾ أي : تعرض بالإقبال عليه، رجاء أن يسلم ويهتدي.
﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴾ أي : وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام ؛ إنْ عليك إلا البلاغ. قال الرازي : أي : لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم، إلى أنْ تعْرِض عمن أسلم، للاشتغال بدعوتهم.
﴿ وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى ﴾ أي : يسرع في طلب الخير.
﴿ وَهُوَ يَخْشَى ﴾ أي : يخاف اللهَ ويتقيه.