وقال ابن جزى :
سورة عبس
﴿ عَبَسَ وتولى ﴾
أي عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه، وقال ابن عطية : في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العتب ؛ لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال الزمخشري : في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار، وقال غيرهما، هو إكرام للنبي ﷺ وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن ﴿ أَن جَآءَهُ الأعمى ﴾ في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بتولى أو عبس. وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره، وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يشهد صاحبها، ومنه قول المحدثين سليمان الأعمش، وعبد الرحمن الأعرج وغير ذلك ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾ أيّ شيء يطلعك على حال هذا الأعمى ﴿ لَعَلَّهُ يزكى ﴾ أي يتطهر وينتفع في دينه بما يسمع منك.
﴿ أَمَّا مَنِ استغنى * فَأَنتَ لَهُ تصدى ﴾ أي تتعرّض للغني رجاء أن يسلم ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى ﴾ أي لا حرج عليك أن لا يتزكى هذا الغني ﴿ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى ﴾ إشارة إلى عبد الله بن أم مكتوم، ومعنى يسعى يسرع في مشيته من حرصه على طلب الخير ﴿ وَهُوَ يخشى ﴾ الله أو يخاف الكفار وإذايتهم له على اتباعك، وقيل : جاء وليس معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع، وهذا ضعيف ﴿ فَأَنتَ عَنْهُ تلهى ﴾ أي تشتغل عنه بغيره من قولك : لهيت عن الشيء إذا تركته، وروي أن رسول الله ﷺ تأدّب بما أدبه الله في هذه السورة فلم يُعرض بعدها عن فقير ولا تعرّض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء.


الصفحة التالية
Icon