قلت : أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون. والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطراداً لبيان مدح النبي ﷺ والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه. ووصف جبرائيل بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق لغرض تزكية النبي صلى الله عليه وسلم. والعجب من الإمام فخر الدين الرازي أيضاً أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال حرصه على تزييف أدلتهم. ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا شيطان رجيم فقال ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ وهو أفق الشمس كما مر في " النجم ". ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ ومن قرأ بالظاء الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيام يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل. ومن قرأ بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينهما من الأضراس ومن يمين اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه أنه يكتم شيئاً من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدّين من الإرشاد والكمال ﴿ فأين تذهبون ﴾ بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك لتارك لجادّة إعتسافاً أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب. قوله ﴿ لمن شاء ﴾ فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ


الصفحة التالية
Icon