فجاء القرآن يحدثهم في هذا المقطع من السورة عن جمال الكون البديع، وحيوية مشاهده الجميلة. ليوحي إلى قلوبهم بأن القرآن صادر عن تلك القدرة المبدعة، التي أنشأت ذلك الجمال. على غير مثال. وليحدثهم بصفة الرسول الذي حمله، والرسول الذي بلغه. وهو صاحبهم الذي عرفوه. غير مجنون. والذي رأى الرسول الكريم - جبريل - حق الرؤية، بالأفق المبين الواضح الذي تتم فيه الرؤية عن يقين. وأنه ( ﷺ ) لمؤتمن على الغيب، لا تظن به الظنون في خبره الذي يرويه عنه، فما عرفوا عنه إلا الصدق واليقين.(وما هو بقول شيطان رجيم)فالشياطين لا توحي بهذا النهج القويم. ويسألهم مستنكرا:(فأين تذهبون ؟).. أين تذهبون في حكمكم وقولكم ؟ أو أين تذهبون منصرفين عن الحق وهو يواجهكم أينما ذهبتم !
إن هو إلا ذكر للعالمين ذكر يذكرهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة نشأتهم، وحقيقة الكون من حولهم..(للعالمين).. فهو دعوة عالمية من أول مرحلة. والدعوة في مكة محاصرة مطاردة. كما تشهد مثل هذه النصوص المكية..
الدرس الخامس: ٢٨ القرآن هدى لمن يريد الإستقامة والهداية
وأمام هذا البيان الموحي الدقيق يذكرهم أن طريق الهداية ميسر لمن يريد. وأنهم إذن مسؤولون عن أنفسهم، وقد منحهم الله هذا التيسير:
(لمن شاء منكم أن يستقيم)..
أن يستقيم على هدى الله، في الطريق إليه، بعد هذا البيان، الذي يكشف كل شبهة، وينفي كل ريبة، ويسقط كل عذر. ويوحي إلى القلب السليم بالطريق المستقيم. فمن لم يستقم فهو مسؤول عن انحرافه. فقد كان أمامه أن يستقيم.
والواقع أن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق من القوة والعمق والثقل بحيث يصعب على القلب التفلت من ضغطها إلا بجهد متعمد. وبخاصة حين يسمع التوجيه إليها بأسلوب القرآن الموحي الموقظ. وما ينحرف عن طريق الله - بعد ذلك - إلا من يريد أن ينحرف. في غير عذر ولا مبرر !


الصفحة التالية
Icon