والصبح إذا تنفس : يقابله ظهور الإسلام، وأنه سينتشر ضوء النهار، ولا تقوى قوة قط على حجبه، وسيعم الآفاق كلها، مهما وقفوا دونه ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ [ الصف : ٨ ].
وقد يكون في هذا الإيراد غرابة على بعض الناس، ولا سيما وأني لم أقف على بحث مستقل فيه، ولا توجيه يشير إليه، ولكن مع التتبع وجدت اطراده في مواضع متعددة، وجدير بأن يفرد برسالة.
ومما أطرد فيه هذا التوجيه سورة الضحى، يقول الله تعالى :﴿ والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ [ الضحى : ١ - ٣ ]، فإن المقسم عليه عدم تركه ﷺ ولا التخلي عنه، فجاء بالمقسم به قسمي الزمن ليلاً ونهاراً، كأنه يقول له : ما قلاك ربك ولا تخلى عنك، لا في ضحى النهار حيث تنطلق لسعيك، ولا في ظلمة الليل حين تأوي إلى بيتك.
ومعلوم ما كان من عمه أبي طالب حينما كان يجعله ينام مع اولاده ليلاً، حتى إذا أخذ الجميع مضاجعهم يأتي خفية فيقيمه من مكانه. ويضع أحد أولاده محله، حتى لو كان أحد نواه بسوء، وقد رآه في مكانه الأول يصادف ولده، ويسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله :﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى ﴾ [ الضحى : ٤ ]، أي من كل ما طلعت عليه الشمس وسجاه الليل.
ومنه أيضاً : وهو أشد ظهوراً في سورة العصر قال تعالى :﴿ والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ [ العصر : ١ - ٣ ]، إلى آخر السورة. فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان، الغالية عليه من خسر، إلاَّ من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصر للإنسان : طيلة حياته وهو محل عمله، الذي به يخسر ويربح.
وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه.