وأبدل من ﴿ للعالمين ﴾ قوله :﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ بدل بعض من كل، وأعيد مع البدل حرف الجر العامل مثله في المبدل منه لتأكيد العامل كقوله تعالى :﴿ ومن النخل من طلعها قنوان ﴾ [ الأنعام : ٩٩ ] وقوله :﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴾ وتقدم في سورة الأعراف ( ٧٥ ).
والخطاب في قوله : منكم } للذين خوطبوا بقوله :﴿ فأين تذهبون ﴾ [ التكوير : ٢٦ ] وإذا كان القرآن ذكراً لهم وهم من جملة العالمين كان ذكر :﴿ لمن شاء أن يستقيم ﴾ من بقية العالمين أيضاً بحكم قياس المساواة، ففي الكلام كناية عن ذلك.
وفائدة هذا الإِبدال التنبيه على أن الذين تذكروا بالقرآن وهم المسلمون قد شاؤوا الاستقامة لأنفسهم فنصحوا أنفسهم، وهو ثناء عليهم.
وفي مفهوم الصلة تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ما حال بينهم وبين التذكر به إلا أنهم لم يشاؤوا أن يستقيموا، بل رضوا لأنفسهم بالاعوجاج، أي سوء العمل والاعتقاد، ليعلم السامعون أن دوام أولئك على الضلال ليس لقصور القرآن عن هديهم بل لأنهم أبوا أن يهتدوا به، إما للمكابرة فقد كانوا يقولون:
﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [ فصلت : ٥ ] وإما للإِعراض عن تلقيه :﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [ فصلت : ٢٦ ].
والاستقامة مستعارة لصلاح العمل الباطني، وهو الاعتقاد، والظاهري وهو الأفعال والأقوال تشبيهاً للعمل بخط مستقيم تشبيهَ معقول بمحسوس.
ثم إن الذين لم يشاءوا أن يستقيموا هم الكافرون بالقرآن وهم المسوق لهم الكلام، ويلحق بهم على مقادير متفاوتة كل من فرط في الاهتداء بشيء من القرآن من المسلمين فإنه ما شاء أن يستقيم لما فَرَط منه في أحوال أو أزمان أو أمكنة.


الصفحة التالية
Icon