وعن الحسن : غره والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق. خصوصاً إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا. قال النحويون :" ما " في ﴿ ما شاء ﴾ مزيدة قلت : وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي في كل صورة من الصور شاء كقوله ﴿ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ [ آل عمران : ٦ ] وإنما لم يقل " ففي أي صورة " بالفاء العاطفة على نسق ما تقدّمها لأنها كالبيان بعد ذلك. والجارّ متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها حكمته أو بمحذوف أي حاصلاً في بعض الصور المرادة. وجوّز جار الله أن يتعلق ب ﴿ عدّلك ﴾ ويكون في أيّ معنى التعجب أي فعدّلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ركبك ما شاء من التركيب. قال الحسن : منهم من صوّره ليستخلصه له، ومنهم من صوّره ليشغله بغيره. قلت : الأوّلون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر القهر والجلال. ثم زجرهم عن الاغترار بقوله ﴿ كلاً ﴾ وهي حرف وضع في اللغة لنفي ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدّر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات فكيف يحاسب فنبههم الله تعالى على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضاً من جملة ما يكتبونه. أو نقول : لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو إنكار الجزاء أصلاً. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر الجزاء عند الله تعالى من عظائم الأمور والاشغال. قال بعضهم : من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يردّه عنها الكرام الكاتبون؟ قلت : لا ريب أن الأول أصل والثاني فرع إلا أن المكلف لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة. ثم ذكر فائدة كتابة الحفظة


الصفحة التالية
Icon