وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك :﴿ما غرّك بربك الكريم﴾ ماذا تقول له؟قال : أقول غرّني ستورك المرخاة، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظنّ به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم أنما قال ﴿بربك الكريم﴾ دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرّني كرم الكريم. وقال مقاتل : غرّه عفو الله حيث لم يعاقبه أوّل مرّة. وقال السدي : غرّه رفق الله تعالى به. وقال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان. وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة فيقول : ما غرّك بي يا ابن آدم؟ ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟
﴿الذي خلقك﴾ أي : أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء ﴿فسوّاك﴾ عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل ﴿فعدلك﴾ أي : جعل كل شيء من ذلك سليماً مودعاً فيه قوّة المنافع التي خلقه الله تعالى لها.
تنبيه : قوله تعالى :﴿الذي﴾ يحتمل الإتباع على البدل والبيان والنعت والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقيق ذلك الكرم فقوله سبحانه ﴿الذي خلقك﴾ أي : بعد أن لم تكن لا شك أنه كرم لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت. كما قال تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ (البقرة :)
وقوله تعالى :﴿فسوّاك﴾ أي : جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء غاية في الكرم كما قال تعالى :﴿أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلاً﴾ (الكهف :)


الصفحة التالية
Icon