فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل، فما لا يبعث على العمل فهو تمنن وغرور، ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم، وسبب إقبالهم على الدنيا، وسبب إعراضهم عن الله تعالى، وإهمالهم السعي للآخرة، فذلك غرور. وقد روي أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة. وقد كان ذلك، فقد كان الناس في الإعصار الأول يواظبون على العبادات، و ﴿ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ [ المؤمنون : ٦٠ ] يخافون على أنفسهم، وهم طول الليل والنهار في طاعة الله، يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات، ويبكون على أنفسهم في الخلوات، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين، مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله، راجون لعفوه ومغفرته، كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه مالم يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون، فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى، وينال بالهوينا، فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم ؟ !
ثم قال : والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف، ولا يتفكر فيه متفكِِّر إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه، وإن كان مؤمناً بما فيه. وترى الناس يهذَّونه هذّاً : يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها، وكأنهم يقرؤون شعراً من أشعار العرب، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه، والعمل بما فيه، وهل في العالم غرور يزيد على هذا ؟ انتهى.
﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾


الصفحة التالية
Icon