والتعبير القرآني الفريد يقول: (علمت نفس).. وهو يفيد من جهة المعنى: كل نفس. ولكنه أرشق وأوقع.. كما أن الأمر لا يقف عند حدود علمها بما قدمت وأخرت. فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية المتقلبة. والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصا. فإذا هو أرشق كذلك وأوقع !
الدرس الثاني: ٦ - ٨ عتاب الإنسان والجماد في خلق الله له
وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر، فإذا هو غافل لاه سادر.. هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضي، وفيها وعيد خفي، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه: نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته. ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.. وهو لا يشكر ولا يقدر:
(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك)..
إن هذا الخطاب: (يا أيها الإنسان)ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه، وهو "إنسانيته" التي بها تميز عن سائر الأحياء ; وارتفع إلى أكرم مكان ; وتجلى فيها إكرام الله له، وكرمه الفائض عليه.
ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل: (ما غرك بربك الكريم ؟)يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك، راعيك ومربيك، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة.. يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك، فجعلك تقصر في حقه، وتتهاون في أمره، ويسوء أدبك في جانبه ؟ وهو ربك الكريم، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره ; ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه ؟