(كلا. بل تكذبون بالدين).. تكذبون بالحساب والمؤاخذة والجزاء. وهذه هي علة الغرور، وعلة التقصير. فما يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة. وقد ترتفع القلوب وتشف، فتطيع ربها وتعبده حبا فيه، لا خوفا من عقابه، ولا طمعا في ثوابه. ولكنها تؤمن بيوم الدين وتخشاه، وتتطلع إليه، لتلقى ربها الذي تحبه وتشتاق لقاءه وتتطلع إليه. فأما حين يكذب الإنسان تكذيبا بهذا اليوم، فلن يشتمل على أدب ولا طاعة ولا نور. ولن يحيا فيه قلب، ولن يستيقظ فيه ضمير.
تكذبون بيوم الدين.. وأنتم صائرون إليه، وكل ما عملتم محسوب عليكم فيه. لا يضيع منه شيء، ولا ينسى منه شيء:(وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون)..
وهؤلاء الحافظون هم الأرواح الموكلة بالإنسان - من الملائكة - التي ترافقه، وتراقبه، وتحصي عليه كل ما يصدر عنه.. ونحن لا ندري كيف يقع هذا كله، ولسنا بمكلفين أن نعرف كيفيته. فالله يعلم أننا لم نوهب الاستعداد لإدراكها. وأنه لا خير لنا في إدراكها. لأنها غير داخلة في وظيفتنا وفي غاية وجودنا. فلا ضرورة للخوض فيما وراء المدى الذي كشفه الله لنا من هذا الغيب. ويكفي أن يشعر القلب البشري أنه غير متروك سدى. وأن عليه حفظة كراما كاتبين يعلمون ما يفعله، ليرتعش ويستيقظ، ويتأدب ! وهذا هو المقصود !
ولما كان جو السورة جو كرم وكرامة، فإنه يذكر من صفة الحافظين كونهم..(كراما).. ليستجيش في القلوب إحساس الخجل والتجمل بحضرة هؤلاء الكرام. فإن الإنسان ليحتشم ويستحيي وهو بمحضر الكرام من الناس أن يسف أو يتبذل في لفظ أو حركة أو تصرف.. فكيف به حين يشعر ويتصور أنه في كل لحظاته وفي كل حالاته في حضرة حفظة من الملائكة(كرام)لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال والفعال ؟!


الصفحة التالية
Icon