ولما كان هذا استفهاماً إنكارياً معناه النفي، فكان التقدير : إنهم لا يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلاً، أضرب عنه بقوله :﴿بل﴾ ووضع الظاهر موضع المضمر تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال :﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق ﴿يكذبون﴾ أي بالقرآن وبما دل عليه من حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أعلم﴾ أي منهم أنفسهم ﴿بما يوعون﴾ أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد الموجودات.
ولما كان هذا موجباً لشديد الإنذار، وضع موضعه تهكماً بهم وإعلاماً بأن الغضب قد بلغ منتهاه قوله :﴿فبشرهم﴾ أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم وأعدلهم خبراً يغير إبشارهم ﴿بعذاب أليم﴾ أي شديد الألم لشدة إيلامه، إن كان لهم يوماً من الأيام بشارة فهي هذه.
ولما أخبر عنهم بهذا الهوان، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى أن منهم من يقبل الإيمان، استثنى منهم فقال :﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ دلالة على صدق إيمانهم ﴿الصالحات ﴾.


الصفحة التالية
Icon