قال سعيد بن جبير : ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء، ومثل هذا قوله :﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ [ الزلزلة : ٢ ] ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا ﴾ أي : سمعت وأطاعت لما أمرها من الإلقاء والتخلي ﴿ وَحُقَّتْ ﴾ أي : وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له.
وقد تقدّم بيان معنى الفعلين قبل هذا ﴿ يا أيّها الإنسان ﴾ المراد جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر، وقيل : هو الإنسان الكافر، والأوّل أولى لما سيأتي من التفصيل ﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحاً ﴾ الكدح في كلام العرب : السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء خيراً أو شرّاً، والمعنى : أنك ساع إلى ربك في عملك، أو إلى لقاء ربك، مأخوذ من كدح جلده : إذا خدشه.
قال ابن مقبل :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
قال قتادة، والضحاك، والكلبي : عامل لربك عملاً ﴿ فملاقيه ﴾ أي : فملاق عملك، والمعنى : أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله، وما يترتب عليه من الثواب والعقاب.
قال القتيبي : معنى الآية : إنك كادح : أي : عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك، والملاقاة بمعنى اللقاء : أي : تلقى ربك بعملك، وقيل : فملاق كتاب عملك ؛ لأن العمل قد انقضى ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ ﴾ وهم : المؤمنون :﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ لا مناقشة فيه.
قال مقاتل : لأنها تغفر ذنوبه، ولا يحاسب بها.