(إنه كان في أهله مسرورا).. غافلا عما وراء اللحظة الحاضرة ; لاهيا عما ينتظره في الدار الآخرة، لا يحسب لها حسابا ولا يقدم لها زادا..(إنه ظن أن لن يحور)إلى ربه، ولن يرجع إلى بارئه، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئا للحساب !
(بلى إن ربه كان به بصيرا)..
إنه ظن أن لن يحور. ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعا على أمره، محيطا بحقيقته، عالما بحركاته وخطواته، عارفا أنه صائر إليه، وأنه مجازيه بما كان منه.. وكذلك كان، حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله. والذي لم يكن بد أن يكون !
وصورة هذا التعيس وهو مسرور بين أهله في حياة الأرض القصيرة المشوبة بالكدح - في صورة من صور الكدح - تقابلها صورة ذلك السعيد، وهو ينقلب إلى أهله مسرورا في حياة الآخرة المديدة، الطليقة، الجميلة، السعيدة، الهنيئة، الخالية من كل شائبة من كدح أو عناء..
الدرس الثالث: ١٦ - ١٩ القسم بمشاهد الكون على تغيير أحوال الناس
ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة، يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم، وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير، الذي يشملهم كذلك، ويقدر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال:
(فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق.. لتركبن طبقا عن طبق)..
وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها، لتوجيه القلب البشري إليها، وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها.. لمحات ذات طابع خاص. طابع يجمع بين الخشوع الساكن، والجلال المرهوب. وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة.


الصفحة التالية
Icon