ومما هو جدير بالتنبيه عليه، هو أنه إذا كانت السماء مع عظم جومها، والأرض مع مساحة أصلها أذنت لربها وحقت، مع أنها لم تتحمل أمانة، ولن تسأل عن واجب فكيف بالأنسان على ضعفه، ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء ﴾ [ النازعات : ٢٧ ]، وقد تحمل أمانة التكليف فأشفقن منها وحملها الإنسان، فكان أحق بالسمع والطاعة في كدحه، إلى أن يلقى ربه لما يرضيه.
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)
في هذا التفصيل بيان لمصير الإنسان نتيجة كدحه، وما سجل عليه في كتاب أعماله، وذلك بعد أن تقدم في الانفطار قوله :﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [ الانفطار : ١٠-١٤ ].
وجاء في المطففين ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ ﴾ [ المطففين : ٧ ] ثم بعده ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ [ المطففين : ١٨ ].
جاء هنا بيان إتيانه هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ببعض، في بيان مآل العلم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله.
وتقدم للشيخ مباحث إتيان الكتب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر، عند كل من قوله تعالى :﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ [ الإسراء : ٧١ ] في سورة الإسراء - إلى قوله تعالى - ﴿ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ [ الإسراء : ٧١ ]، وبين أحوال الفريقين أهل اليمين وأهل الشمال، وأحال على أول السورة.
وقوله :﴿ وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [ الكهف : ٤٩ ]، في سورة الكهف وهنا ذكر سبحانه وتعالى حالة من حالات كلا الفريقين.
فالأولى : يحاسب حساباً يسيراً وهو العرض فقط دون مناقشة، كما في حديث عائشة رضي الله عنها " من نوقش الحساب عذّب "