ومن أمن مكر الله وقضى كل شهواته وكان لا يبالي فيؤتى كتابه بشماله ويصلى سعيراً، كما في قوله تعالى :
﴿ وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ [ الواقعة : ٤١-٤٧ ]، تكذيباً للبعث. وقوله هذا هو بعينه المذكور في الآيات ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ﴾. وقوله :﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور ﴾، هذا الظن مثل ما تقدم في حق المطففين ﴿ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ [ المطففين : ٤-٥ ]، مما يشعر أن عدم الإيمان بالبعث أو الشك فيه، هو الدافع لكل سوء والمضيع لكل خير، وأن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث هو منطلق جميع الأعمال الصالحة كما في مستهل المصحف ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ [ البقرة : ٢ ] الآيات.
في هذا التفصيل بيان لمصير الإنسان نتيجة كدحه، وما سجل عليه في كتاب أعماله، وذلك بعد أن تقدم في الانفطار قوله :﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [ الانفطار : ١٠-١٤ ].
وجاء في المطففين ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ ﴾ [ المطففين : ٧ ] ثم بعده ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ [ المطففين : ١٨ ].
جاء هنا بيان إتيانه هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ببعض، في بيان مآل العلم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله.