وقد بين هنا نتيجة سرور أولئك في الدنيا، بأنهم يصلون سعيراً، ولم يبين سبب سرور الآخرين، ولكن ينبه في موضع آخر وهو خوفهم من الله في قوله تعالى :﴿ قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ في أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم ﴾ [ الطور : ٢٦-٢٨ ].
وهنا يقال : إن الله سبحانه لم يجمع على عبده خوفان، ولم يعطه الأمنان معاًً، فمن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [ الرحمن : ٤٦ ].
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى ﴾ [ النازعات : ٤٠-٤١ ].
ومن أمن مكر الله وقضى كل شهواته وكان لا يبالي فيؤتى كتابه بشماله ويصلى سعيراً، كما في قوله تعالى :
﴿ وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ [ الواقعة : ٤١-٤٧ ]، تكذيباً للبعث. وقوله هذا هو بعينه المذكور في الآيات ﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ﴾. وقوله :﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور ﴾، هذا الظن مثل ما تقدم في حق المطففين ﴿ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ ﴾ [ المطففين : ٤-٥ ]، مما يشعر أن عدم الإيمان بالبعث أو الشك فيه، هو الدافع لكل سوء والمضيع لكل خير، وأن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث هو منطلق جميع الأعمال الصالحة كما في مستهل المصحف ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ [ البقرة : ٢ ] الآيات.
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)
الشفق : لغة : رقة الشيء.


الصفحة التالية
Icon