فقد ذكر القفال فيه وجهين أحدهما : أنه كان في أهله مسروراً أي منعماً مستريحاً من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والصوم والجهاد مقدماً على المعاصي آمناً من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله ولا يرجوه فأبدله الله بذلك السرور الفاني غماً باقياً لا ينقطع، وكان المؤمن الذي أوتي كتابه بيمينه متقياً من المعاصي غير آمن من العذاب ولم يكن في دنياه مسروراً في أهله فجعله الله في الآخرة مسروراً فأبدله الله تعالى بالغم الفاني سروراً دائماً لا ينفذ الثاني : أن قوله :﴿إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ كقوله :﴿وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ﴾ [ المطففين : ٣١ ] أي متنعمين في الدنيا معجبين بما هو عليه من الكفر فكذلك ههنا يحتمل أن يكون المعنى أنه كان في أهله مسروراً بما هم عليه من الكفر بالله والتكذيب بالبعث يضحك ممن آمن به وصدق بالحساب، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ".
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)
فاعلم أن الحور هو الرجوع والمحار المرجع والمصير وعن ابن عباس.
ما كنت أدري ما معنى يحور، حتى سمعت إعرابية تقول لابنتها حوري أي ارجعي، ونقل القفال عن بعضهم أن الحور هو الرجوع إلى خلاف ما كان عليه المرء كما قالوا :"نعوذ بالله من الحور بعد الكور" فعلى الوجه الأول معنى الآية أنه ظن أن لن يرجع إلى الآخرة أي لن يبعث، وقال مقاتل وابن عباس : حسب أن لا يرجع إلى الله تعالى، وعلى الوجه الثاني أنه ظن أن لن يرجع إلى خلاف ما هو عليه في الدنيا من السرور والتنعم.
بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)
ثم قال تعالى :﴿بلى﴾ أي ليبعثن، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن الله تعالى يبدل سروره بغم لا ينقطع وتنعمه ببلاء لا ينتهي ولا يزول.