ولما ذَكَر الله من صفاته ما تعلُّقه بمخلوقاته بحسب ما يستأهلونه من جزاءٍ أعْقب ذلك بصفاته الذاتية على وجه الاستطراد والتكملة بقوله : ذو العرش المجيد } تنبيهاً للعباد إلى وجوب عبادته لاستحقاقه العبادة لجلاله كما يعبدونه لاتقاء عقابه ورجاء نواله.
و﴿ العرش ﴾ : اسم لعالَم يحيط بجميع السماوات، سمي عرشاً لأنه دال على عظمة الله تعالى كما يدل العَرش على أن صاحبه من الملوك.
و﴿ المجيد ﴾ : العظيم القويُّ في نوعه، ومن أمثالهم :"في كل شجر نارٌ، واستَمْجَد المرْخُ والعَفَار" وهما شجران يكثر قدح النار من زندهما.
وقرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر رابع عن ضمير الجلالة.
وقرأه حمزة والكسائي وخَلف بالجر نعتاً للعرش فوصف العرش بالمجد كناية عن مجد صاحب العرش.
ثم ذَيل ذلك بصفة جامعة لعظمته الذاتية وعظمة نعمه بقوله :﴿ فعال لما يريد ﴾ أي إذا تعلقت إرادته بفعل، فَعَله على أكمل ما تعلقت به إرادته لا ينقصه شيءٌ ولا يُبطىء به ما أراد تعجيله.
فصيغة المبالغة في قوله :﴿ فعال ﴾ للدلالة على الكثرة في الكمية والكيفية.
والإِرادة هنا هي المعرَّفة عندنا بأنها صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه وهي غير الإِرادة بمعنى المحبة مثل ﴿ يريد اللَّه بكم اليسر ﴾ [ البقرة : ١٨٥ ].
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)
متصل بقوله :﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ [ البروج : ١٢ ] فالخطاب للنبيء ﷺ للاستدلال على كون بطشه تعالى شديداً ببطشَيْننِ بَطَشَهُما بفرعون وثمود بعد أن علل ذلك بقوله :﴿ إنه هو يبدىء ويعيد ﴾ [ البروج : ١٣ ] فذلك تعليل، وهذا تمثيل ودليل.
والاستفهام مستعمل في إرادة لتهويل حديث الجنود بأنه يسأل عن علمه، وفيه تعريض للمشركين بأنهم قد يحلّ بهم ما حَلّ بأولئك :﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى وثمودا فما أبقى ﴾ إلى قوله :﴿ فبأي ءآلاء ربك تتمارى ﴾ [ النجم : ٥٠ ٥٥ ].


الصفحة التالية
Icon