والظاهر أن ﴿ الذين فتنوا ﴾ عام في كل من ابتلى المؤمنين والمؤمنات بتعذيب أو أذى، وأن لهم عذابين : عذاباً لكفرهم، وعذاباً لفتنتهم.
وقال الزمخشري : يجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة، وبالذين آمنوا المطروحين في الأخدود، ومعنى فتنوهم : عذبوهم بالنار وأحرقوهم، ﴿ فلهم ﴾ في الآخرة ﴿ عذاب جهنم ﴾ بكفرهم، ﴿ ولهم عذاب الحريق ﴾ : وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق، أو لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا لما روى أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، انتهى.
وينبغي أن لا يجوز هذا الذي جوّزه، لأن في الآية ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾، وأولئك المحرقون لم ينقل لنا أن أحداً منهم تاب، بل الظاهر أنهم لم يلعنوا إلا وهم قد ماتوا على الكفر.
وقال ابن عطية :﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ يقوي أن الآيات في قريش، لأن هذا اللفظ في قريش أحكم منه في أولئك الذين قد علموا أنهم ماتوا على كفرهم.
وأما قريش فكان فيهم وقت نزول الآية من تاب وآمن، انتهى.
وكذلك قوله :﴿ إن الذين آمنوا ﴾، المراد به العموم لا المطروحون في النار، والبطش : الأخذ بقوة.
﴿ يبدىء ويعيد ﴾، قال ابن زيد والضحاك : يبدىء الخلق بالإنشاء، ويعيده بالحشر.
وقال ابن عباس : عام في جميع الأشياء، أي كلّ ما يبدأ وكل ما يعاد.
وقال الطبري : يبدىء العذاب ويعيده على الكفار ؛ ونحوه عن ابن عباس قال : تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً، ثم يعيدهم خلقاً جديداً.
وقرىء : يبدأ من بدأ ثلاثياً، حكاه أبو زيد.
ولما ذكر شدّة بطشه، ذكر كونه، غفوراً ساتراً لذنوب عباده، ودوداً لطيفاً بهم محسناً إليهم، وهاتان صفتا فعل.
والظاهر أن الودود مبالغة في الوادّ ؛ وعن ابن عباس : المتودد إلى عباده بالمغفرة.
وحكى المبرد عن القاضي إسماعيل بن إسحاق أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد :
وأركب في الروع عريانة...
ذلول الجماع لقاحاً ودودا
أي : لا ولد لها تحن إليه.