وقال القاسمى :
سورة البروج

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾
أي : الكواكب والنجوم، شبهت بالبروج - وهي القصور - لعلوِّها. أو البروج منازل عالية في السماء.
قال ابن جرير : وهو اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلاً، ثم يستتر ليلتين. ومسير الشمس في كل برج منها شهر. وأصل معنى البروج - كما قاله الشهاب - الأمر الظاهر من التبرج، ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية ؛ لأنها ظاهرة للناظرين. ويقال لِما ارتفع من سور المدينة : برج أيضاً. فشبه - على هذا - الفلك بسور المدينة وأثبت له البروج ﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾ أي : الذي وعد فيه العباد لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة.
﴿ وَشَاهِدٍ ﴾ وهو كل ماله حس يشهد به ﴿ وَمَشْهُودٍ ﴾ وهو كل مُحسّ يشهد بالحس. فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها. وتخصيص بعض المفسرين بعضاً مما يتناوله لفظهما، لعله لأنه الأهم، أو الأولى أو الأعرف والأظهر، لقرينةٍ عندهُ، وإلا فاللفظُ على عمومه، حتى يقوم برهان على تخصيصه.
﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ أي : قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم. على أن الجملة خبرية هي جواب القسم. أو دليل جوابه أن كانت دعائية، والتقدير : لتبلون كما ابتلي من قبلكم، ولينتقمن ممن فتنكم كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في الأخدود.
قال الزمخشري : وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يَلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم : قُتلت قريش، كما قيل :
﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ والأخدود : الحفرة في الأرض مستطيلة.


الصفحة التالية
Icon