السين في قوله :﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى سوف يذكر وسوف من الله واجب كقوله :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [ الأعلى : ٦ ] ويحتمل أن يكون المعنى أن من خشي الله فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر، والله أعلم.
المسألة الرابعة :
العلم إنما يسمى تذكراً إذا كان قد حصل العلم أولاً ثم نسيه وهذه الحالة غير حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر ؟ وجوابه : أن لقوة الدلائل وظهورها كأن ذلك العلم كان حاصلاً، ثم إنه زال بسبب التقليد والعناد.
فلهذا أسماه الله تعالى بالتذكر.
المسألة الخامسة :
قيل : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وقيل : نزلت في ابن أم مكتوم.
أما قوله تعالى :
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)
فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون، وبينا أن القسمين الأولين، لا بد وأن يكون لهما خوف وخشية، وصاحب الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها، فيكون الأشقى هو المعاند الذي لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها، فلهذا قال تعالى :﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى الذي يَصْلَى النار الكبرى﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :
ذكروا في تفسير ﴿النار الكبرى﴾ وجوهاً أحدها : قال الحسن : الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا وثانيها : أن في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة كما أن في الدنيا ذنوباً ومعاصي متفاضلة، وكما أن الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران وثالثها : أن النار الكبرى هي النار السفلى، وهي تصيب الكفار على ما قال تعالى :﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [ النساء : ١٤٥ ].
المسألة الثانية :
قالوا : نزلت هذه الآية في الوليد وعتبة وأبي، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما وقد بينا صحة هذا الترتيب بالبرهان العقلي.


الصفحة التالية
Icon