وقال ابن عاشور :
﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) ﴾
عطف على ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [ الأعلى : ٦ ].
وجملة ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ [ الأعلى : ٧ ] معترضة كما علمت.
وهذا العطف من عطف الأعم على الأخص في المآل وإن كان مفهوم الجملة السابقة مغايراً لمفهوم التيسير لأن مفهومها الحفظ والصيانة ومفهوم المعطوفة تيسير الخير له.
والتيسير : جعل العمل يسيراً على عامله.
ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يُجعل يسيراً، أي غير صعب ويذكر مع المفعول الشيءُ المجعول الفعل يسيراً لأجله مجروراً باللام كقوله تعالى :﴿ ويسر لي أمري ﴾ [ طه : ٢٦ ].
واليُسْرى : مؤنث الأيسر، وصيغة فُعلى تدل على قوة الوصف لأنها مؤنث أفْعَل.
والموصوف محذوف، وتأنيث الوصف مشعر بأن الموصوف المحذوف مما يجري في الكلام على اعتبار اسمِه مؤنثاً بأن يَكون مفرداً فيه علامَة تأنيث أو يكون جمعاً إذ المجموع تَعَامَل معاملة المؤنث.
فكان الوصف المؤنث منادياً على تقدير موصوف مناسب للتأنيث في لفظه، وسياقُ الكلام الذي قبله يهدي إلى أن يكون الموصوف المقدَّر معنَى الشريعة فإن خطاب الرسول ﷺ في القرآن مراعًى فيه وصفه العُنواني وهوَ أنه رسول فلا جرم أن يكون أول شؤونه هو ما أرسل به وهو الشريعة.
وقوله :﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ إن حمل على ظاهر نظم الكلام وهو ما جرى عليه المفسرون.
فالتيسير مستعار للتهيئة والتسخير، أي قوة تمكينه ﷺ من اليُسرى وتصرفه فيها بما يأمر الله به، أي نُهيئك للأمور اليسرى في أمر الدّين وعواقبه من تيسير حفظ القرآن لك وتيسير الشريعة التي أرسلتَ بها وتيسير الخير لك في الدنيا والآخرة.
وهذه الاستعارة تحسِّنها المشاكلة.


الصفحة التالية
Icon