أن قوله :﴿قدَّرَ﴾ يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقداراً معلوماً على ما قال :﴿وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [ الحجر : ٢١ ] وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات، بل العالم كله من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، تفسير هذه الآية.
وتفصيل هذه الجملة.
أما قوله :﴿فهدى﴾ فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى، وقوله :﴿فهدى﴾ عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة، وللمفسرين فيه وجوه، قال مقاتل : هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقال آخرون : هداه للمعيشة ورعاه، وقال آخرون : هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة، وذلك لأنه جعله حساساً دراكاً متمكناً من الإقدام على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال :﴿إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [ الإنسان : ٣ ] وقال :﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [ الشمس : ٨ ٧ ] وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء : قدر فهدى وأضل، فاكتفى بذكر إحداهما : كقوله :


الصفحة التالية
Icon