القول الثاني : أن قوله :﴿إِلاَّ مَا شَاء الله﴾ استثناء في الحقيقة، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوهاً أحدها : قال الزجاج : إلا ما شاء الله أن ينسى، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك، فإذاً قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسياناً كلياً دائماً، روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله فقال : نسيتها.
وثانيها : قال مقاتل : إلا ما شاء الله أن ينسيه، ويكون المراد من الإنساء ههنا نَسْخُةُ، كما قال :﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا﴾ [ البقرة : ١٠٦ ] فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به، فيصير ذلك سبباً لنسيانه، وزواله عن الصدور.
وثالثها : أن يكون معنى قوله :﴿إِلاَّ مَا شَاء الله﴾ القلة والندرة، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن، فإنه لو نسي شيئاً من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع، وإنه غير جائز.
أما قوله تعالى :﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى﴾ ففيه وجهان أحدهما : أن المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان، فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه والثاني : أن يكون المعنى : فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسخ، فإنه أعلم بمصالح العبيد، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٣١ صـ ١٢٣ ـ ١٢٩﴾