أما القسم الثاني : فهو كالحيوانات التي لا يكون في صورتها حسن، ولكن يكون داعية تركيبها حكم باللغة وهي مثل الإبل وغيرها، إلا أن ذكر الإبل ههنا أولى لأن إلف العرب بها أكثر وكذا السماء والجبال والأرض، فإن دلائل الحدوث والحاجة فيها ظاهرة، وليس فيها ما يكون نصيباً للشهوة، فلما كان هذا القسم بحيث يكمل نصيب الحكمة فيه مع الأمن من زحمة الشهوة لا جرم أمر الله بالتدبر فيها فهذا ما يحضرنا في هذا الموضع وبالله التوفيق.
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)
اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد، قال لرسوله ﷺ :﴿فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ﴾ وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره، فلهذا قال :﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ ﴾.
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)
قال صاحب "الكشاف" :﴿بمصيطر﴾ بمسلط، كقوله :﴿يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ ق : ٤٥ ] وقوله :﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ يونس : ٩٩ ] وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير، فأما أن تكون مسلطاً عليهم حتى تقتلهم، أو تكرههم على الإيمان فلا، قالوا : ثم نسختها آية القتال، هذا قول جميع المفسرين، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله :﴿أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [ الطور : ٣٧ ].
أما قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
ففيه مسائل.
المسألة الأولى :


الصفحة التالية
Icon