وقال الفرّاء : معنى مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث : التفرّق مع كثرة، ومنه :﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ ﴾ [ البقرة : ١٦٤ ].
﴿ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر، كما في نظائره مما مرّ غير مرّة، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما بعدها، وكيف منصوبة بما بعدها، والجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإبل، والمعنى : أينكرون أمر البعث، ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم، وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات ﴿ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها، ومزيد قوّتها، وبديع أوصافها.
قال أبو عمرو بن العلاء : إنما خصّ الإبل ؛ لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلاَّ وهو قائم، قال الزجاج : نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيماً من خلقه ليدلّ بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له : الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال : أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب درّه.
والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن.
ويأخذ الصبيّ بزمامها، فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها.
وقال المبرد : الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة.
وروي عن الأصمعي أنه قال : من قرأ ﴿ خلقت ﴾ بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب.
﴿ وَإِلَى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾ أي : رفعت فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل.
وقيل : رفعت فلا ينالها شيء.