وهذا في شموله من الناحية المعنوية كمقابله في القسم الأول بدلاً من خاشعة في ذلة ناعمة في نضرة لسعيها راضية الذي سعته في الدنيا، والذي تسعى لتحصيله أو ثوابه في جنة عالية بدلاً من عمل ونصب، لا تسمع فيها لاغية، منزلة أدبية رفيعة حيث لا تسمع فيها كلمة لغو ولا يليق بها، فهو إكرام لهم حتى في الكلمة التي يسمونها، كما في قوله :﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ [ الواقعة : ٢٥-٢٦ ]. ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾. ومعلوم أنها عيون وأنهار تجري، كقوله :﴿ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [ الحجر : ٤٥ والدخان : ٥٢ ]، ومن لوازم العيون والأنهار، هو كمال النعيم، فأشجار ورياحين، فروح وريحان وجنة نعيم. وهذا في التعميم يقابل العين الآنية في الحميم للقسم الأول، فيها سرر مرفوعة وهم عليها متكئون بدل من عمل الآخرين في نصب وشقاء. وأكواب موضوعة لإتمام التمتع وكمال الخدمة والرفاهية. حيث اشتمل ما تراه العين وما تسمعه الأذن وما يتذوقون طعمه من شراب وغيره.
فيكون بذلك قد غشيهم النعمة، كما غشيت أولئك النقمة وتكون الغاشية بمعنى الشاملة، وعلى عمومها للفريقين، وهي صالحة لغة وشرعاً للمعذبين بالعذاب، وللمنعمين بالنعيم. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه
مجيء ﴿ فِيهَا ﴾ مرتين :﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ﴾. للدلالة على قسمي نعيم الجنة. الأول : عيون ونزهة. والثاني : سرر وسكن.
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)


الصفحة التالية
Icon