أما قوله تعالى :﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ فالمعنى أنه كان يوصي بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو الصبر على المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلي بها المؤمن ثم ضم إليه التواصي بالمرحمة وهو أن يحث بعضهم بعضاً على أن يرحم المظلوم أو الفقير، أو يرحم المقدم على منكر فيمنعه منه لأن كل ذلك داخل في الرحمة، وهذا يدل على أنه يجب على المرء أن يدل غيره على طريق الحق ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما أمكنه، واعلم أن قوله :﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق، وبالجملة فقوله :﴿وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله :﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين، إن الأصل في التوصف أمران : صدق مع الحق ؟ وخلق مع الخلق.
ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم في القيامة فقال :
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)
وإنما ذكر ذلك لأنه تعالى بين حالهم في سورة الواقعة وأنهم ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [ الواقعة : ٢٩ ٢٨ ] قال صاحب "الكشاف" : الميمنة والمشأمة، اليمين والشمال، أو اليمين والشؤم، أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليها.
ثم قال تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)
فقيل : المراد من يؤتي كتابه بشماله أو وراء ظهره، وقد تقدم وصف الله لهم بأنهم :﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ﴾ [ الواقعة : ٤٢ ] إلى غير ذلك.
ثم قال تعالى :
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)