قال ابن عاشور :
( سبيل الله) طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد، وقد غلب (سبيل الله) في اصطلاح الشرع في الجهاد. أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته، و(في) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد، والخيل، والزاد، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست (في) هنا مستعملة للتعليل. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٢١٣﴾
قوله تعالى :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾
قال الفخر :
قال أبو عبيدة والزجاج ﴿التهلكة﴾ الهلاك يقال : هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة، وقد جاء هذا المثال اسماً غير مصدر، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب " الكشاف" : ويجوز أن يقال أصله التهلكة، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة، كما جاء الجوار في الجوار.
وأقول : إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٥ صـ ١١٦﴾
وقال الشيخ الطاهر بن عاشور :
وقوله تعالى :﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد.
والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي.
والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد " أَعطى بيده" أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده، فزيادة الباء كزيادتها في ﴿وهُزى إليك بجِذْع النخلة﴾ [مريم : ٢٥] وقول النابغة
:... لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا


الصفحة التالية
Icon