وقال الشوكانى فى الآيات السابقة :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ﴾
معنى شرح الصدر : فتحه بإذهاب ما يصدّ عن الإدراك.
والاستفهام إذا دخل على النفي قرّره، فصار المعنى : قد شرحنا لك صدرك.
وإنما خصّ الصدر ؛ لأنه محل أحوال النفس من العلوم، والإدراكات.
والمراد : الامتنان عليه ﷺ بفتح صدره، وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوّة، وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله :﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ﴾ [ الزمر : ٢٢ ] ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ معطوف على معنى ما تقدّم، لا على لفظه، أي : قد شرحنا لك صدرك، ووضعنا.
..
الخ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان :
ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح
أي : أنتم خير من ركب المطايا، وأندى.
..
الخ.
قرأ الجمهور :﴿ نشرح ﴾ بسكون الحاء بالجزم، وقرأ أبو جعفر المنصور العباسي بفتحها.
قال الزمخشري : قالوا لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية : إن الأصل " ألم نشرحن " بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، كما أنشد أبو زيد :
من أي يوميَّ من الموت أفر... أيوم لم يقدّر أم يوم قدر
بفتح الراء من " لم يقدر ".
ومثله قوله :
اضرب عنك الهموم طارقها... ضربك بالسيف قونس الفرس
بفتح الباء من اضرب.
وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب " لم "، وهو قليل جداً كقوله :
يحسبه الجاهل ما لم يعلما... شيخا على كرسيه معمما
فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول، كلها ضعيفة : الأول توكيد المجزوم ب " لم "، وهو ضعيف.
الثاني إبدالها ألفاً، وهو خاص بالوقف، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف.


الصفحة التالية
Icon