﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ [ الذاريات : ١ - ٤ ]، فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة، فأقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحاب الحاملات للمطر فإنها فوق الرياح، ثم بالجاريات يسراً، وقد قيل : إنها السفن، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله :﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس ِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴾ [ التكوير : ١٥ - ١٦ ]، فسماها جوارٍ كما سمى الفلك جواري في قوله :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴾ [ الشورى : ٣٢ ]، والكواكب فوق السحاب ثم قال :﴿ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ [ الذاريات : ٤ ]، وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله.
واستظهر بعض المعاصرين أن قوله تعالى :﴿ وَالتِّينِ ﴾ يعني به شجرة بوذا مؤسس الديانة البوذية، التي تحرفت كثيراً عن أصلها الحقيقي ؛ لأن تعاليم بوذا لم تكتب في زمنه وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية، ثم كتبت بعد ذلك حينما ارتقى أتباعها.
ثم قال : والراجح عندنا، بل المحقق إذا صح تفسيرنا لهذه الآية أنهُ كان نبياً صادقاً ويسمى : سكياموتي، أو جوناما، وكان في أول أمره يأوي إلى شجرة تين عظيمة وتحتها نزل عليه الوحي، وأرسله الله رسولاً، فجاءه الشيطان ليفتنه هناك فلم ينجح معه. ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين، وتسمى عندهم : التينة المقدسة، وبلغتهم : أجابالا.
قال : ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه تعالى لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم، فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده :﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ إلى آخر السورة.


الصفحة التالية
Icon