قال : وإنما قلنا : هذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن الله تعالى ذِكره أخبر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال، احتجاجاً بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول :﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ يعني بعد هذه الحجج، ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكرين معنى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه مما يعاينونه ويحسونه، أو يقرون به وإن لم يكونوا له محسين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا أهل الهرم والخرف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين، علم أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين من تصريفه خلقه ونقله إياهم من حال التقويم الحسن، والشباب والجلد إلى الهرم والضعف وفناء العمر وحدوث الخرف. انتهى كلامه.
وعليه فيكون الاستثناء منقطعاً، استدراكاً لدفع ما يتوهم من أن التساوي في أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره، ويكون الدين حينئذ مبتدأ، والفاء داخلة في خبره. وأما على الوجه الأول، فالفاء للتفريع، ومدخولها جملة مترتبة عليه، ومؤكدة له.
وقوله تعالى :﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾ خطاب للإنسان على طريق الالتفات، لتشديد التوبيخ والتبكيت، أي : فما يحملك على التكذيب بالدين، أي الجزاء بعد البعث، وإنكاره بعد هذه الدلائل.