الطغيان هو التكبر والتمرد، وتحقيق الكلام في هذه الآية أن الله تعالى لما ذكر في مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة بحيث يبعد من العاقل أن لا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها.
أتبعها بما هو السبب الأصلي في الغفلة عنها وهو حب الدنيا والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ذلك.
فإن قيل : إن فرعون ادعى الربوبية، فقال الله تعالى في حقه :﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [ طه : ٢٤ ] وههنا ذكر في أبي جهل :﴿ليطغى﴾ فأكده بهذه اللام، فما السبب في هذه الزيادة ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أنه قال لموسى :﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ وذلك قبل أن يلقاه موسى، وقبل أن يعرض عليه الأدلة، وقبل أن يدعي الربوبية.
وأما ههنا فإنه تعالى ذكر هذه الآية تسلية لرسوله حين رد عليه أقبح الرد وثانيها : أن فرعون مع كمال سلطته ما كان يزيد كفره على القول، وما كان ليتعرض لقتل موسى عليها السلام ولا لإيذائه.
وأما أبو جهل فهو مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي ﷺ وإيذاءه وثالثها : أن فرعون أحسن إلى موسى أولاً، وقال آخراً :﴿ءامَنتُ﴾ [ يونس : ٩٠ ].
وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه، وقال في آخر رمقه : بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أحد أبغض إلي منه ورابعها : أنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده، بل يصون عينه باليد، فلهذا السبب كانت المبالغة ههنا أكثر.
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)
ففيه مسائل :
المسألة الأولى :
قال الأخفش : لأن رآه فحذف اللام، كما يقال : أنكم لتطغون أن رأيتم غناكم.
المسألة الثانية :