﴿ وَذَلِكَ ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من عبادةِ الله تعالى بالإخلاصِ وإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ بعلوِّ رتبتِه وبُعدِ منزلتِه. ﴿ دِينُ القيمة ﴾ أي دينُ الملةِ القيمةِ، وقُرِىءَ الدينُ القيمةُ على تأويلِ الدينِ بالملةِ. هذا وقد قيلَ : قولُه تعالى :﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ ﴾ إلى قولِه كتبٌ قيمةٌ حكايةٌ لما كانُوا يقولونَهُ قبلَ مبعثِه عليهِ السَّلامُ من أنَّهم لا ينفكونَ عنْ دينِهم إلى مَبْعثِه ويعدون أنْ ينفكُّوا عنه حينئذٍ ويتفقوا على الحقِّ وقولُه تعالى :﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ بيانٌ الخ لإخلافِهم الوعدَ وتعكيسِهم الأمرَ بجعلِهم ما هُو سببٌ لانفكاكِهم عن دينِهم الباطلِ حسبَما وعدُوه سبباً لثباتِهم عليهِ وعدمِ انفكاكِهم عنه ومثلُ ذلكَ بأنْ يقولَ الفقيرُ الفاسقُ لمن يعظهُ لا أنفكُّ عمَّا أنَا فيه حتَّى أستغني فيستغني فيزدادُ فسقاً فيقولَ له واعظُه لم تكنْ منفكَّاً عن الفسقِ حتى توسرَ وما عكفتَ على الفسقِ إلا بعدَ اليسارِ، وأنت خبيرٌ بأنَّ هَذا إنَّما يتسنّى بعد اللَّتيا والتي على تقديرِ أنْ يرادَ بالتفرقِ تفرقُهم عن الحقِّ بأنْ يقال التفرقُ عن الحقِّ مستلزمٌ للثباتِ على الباطلِ فكأنَّه قيلَ : وما أجمعُوا على دينِهم إلا منْ بعدِ ما جاءتْهُم البينةُ وأما على تقديرِ أنْ يُرادَ به تفرقُهم فرقاً فمنُهم من آمنَ ومنُهم من أنكرَ ومنُهم من عرفَ وعاندَ كَمَا جوَّزه القائلُ فلا فتأملْ.