وقوله ﷺ في قصة العسيف :" لأقضين بينكما بكتاب الله " ثم قضى بالرجم، وليس الرجم في كتاب الله، فالمعنى : لأقضينّ بينكما بحكم الله، وبهذا يندفع ما قيل : إن الصحف هي الكتب، فكيف قال :﴿ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ وقال الحسن : يعني : بالصحف المطهرة التي في السماء، يعني في اللوح المحفوظ، كما في قوله :﴿ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ﴾ [ البروج : ٢١، ٢٢ ].
﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ هذه الجملة مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب.
قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمداً.
فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون.
وخصّ أهل الكتاب، وإن كان غيرهم مثلهم في التفرّق بعد مجيء البينة ؛ لأنهم كانوا أهل علم، فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، والاستثناء في قوله :﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ مفرّغ من أعم الأوقات، أي : وما تفرّقوا في وقت من الأوقات إلاّ من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، وهي : بعثة رسول الله ﷺ بالشريعة الغرّاء، والمحجة البيضاء.
وقيل البينة : البيان الذي في كتبهم أنه نبيّ مرسل كقوله :﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ [ آل عمران : ١٩ ] قال القرطبي : قال العلماء : من أوّل السورة إلى قوله :﴿ كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين.
وقوله :﴿ وَمَا تَفَرَّقَ.
. ﴾
إلخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج.


الصفحة التالية
Icon