الأولى : دلت هذه الآية والتي قبلها على أن عنوان المشركين، لا يتناول أهل الكتاب في عرف القرآن، بل هو خاص بالوثنيين، أعني من يدينون بالإشراك وتعدد الأرباب، فأهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لا يتناولهم ذلك العنوان وإن دخل في عقائدهم الشرك ؛ لأنه دخيل لا أصيل، ولذلك ينفرون من وصمة الشرك، وبسببه حل النكاح منهم دون الوثنين.
الثانية : قال ابن جرير : العرب لا تهمز البرية. وبترك الهمزة فيها قرأتها قراء الأمصار، غير شيء يذكر عن نافع بن أبي نعيم، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها، وذهب بها إلى قول الله ﴿ مِّن قَبْلِ أن نَّبْرَأَهَا ﴾ وأنها فعيلة من ذلك، وأما الذين لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين : أحدهما : أن يكونوا تركوا الهمز فيها كما تركوه من الملك، وهو مفعل، من ألك، أو لأكَ، ومن يزى، و ترى و نرى، وهو تفعل من رأيت. والآخر : أن يكونوا وجهوها إلى أنها فعلية، من البراء وهو التراب. حكي عن العرب سماعاً فقيل : بفيك البراد، يعني به التراب. انتهى.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي : بالله ورسوله محمد صلوات الله عليه ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾ أي : من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر، مع القيام بفرائض العبادات، والإخلاص في سائر ضروب المعاملات ؛ لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة معرفة الحق، ملّكت الحق قيادهم فعملوا الأعمال الصالحة، قاله الإمام ﴿ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ أي : أفضل الخليقة، لأنهم بمتابعة الحق عند معرفته بالدليل القائم عليه، قد حققوا لأنفسهم معنى الْإِنْسَاْنية التي شرفهم الله بها. وبالعمل الصالح، قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الْإِنْسَاْنيّ، وهدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى مثل ما هُدوا إليه من الخير والسعادة، فمن يكون أفضل منهم ؟ قاله الإمام.


الصفحة التالية
Icon