"وحاول الإمبراطور هرقل [ ٦١٠ - ٦٤١ ] بعد انتصاره على الفرس [ سنة ٦٣٨ ] جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة أو قضاء واحد. وفي صدر عام ٦٣١ حصل وفاق على ذلك، وصار المذهب المنوثيلي مذهبا رسميا للدولة، ومن تضمهم من أتباع الكنيسة المسيحية. وصمم هرقل على إظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المخالفة، متوسلا إلى ذلك بكل الوسائل. ولكن القبط نابذوه العداء، وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف ! وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة. وحاول الإمبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة. وأما المسألة الأخرى وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل فأرجأ القول فيه، ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراته. وجعل ذلك رسالة رسمية، ذهب بها إلى جميع جهات العالم الشرقي. ولكن الرسالة لم تهدئ العاصفة في مصر، ووقع اضطهاد فظيع على يد قيصر في مصر استمر عشر سنين، ووقع في خلالها ما تقشعر منه الجلود، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرقا، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياءحتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض ويوضع السجين في كيس مملوء بالرمل ويرمى في البحر. إلى غير ذلك من الفظائع".
وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعا (من بعد ما جاءتهم البينة).. فلم يكن ينقصهم العلم والبيان ; إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف.
على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة :
(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق :


الصفحة التالية
Icon