ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع فى مسمى الشرك، هل يشمل أهل الكتاب أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقاً في الشرع في معاملة أهل الكتاب ومعاملة المشركين، فأحل ذبائح أهل الكتاب ولم يحلها من المشركين، وأحل نكاح الكتابيات ولم يحله من المشركات، كما قال تعالى :﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ [ البقرة : ٢٢١ ].
وقوله :﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ﴾ [ الممتحنة : ١٠ ].
وقال :﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [ الممتحنة، ١٠ ]، بين ما في حق الكتابيات قال :﴿ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [ المائدة : ٥ ]، فكان بينهما مغايرة في الحكم.
وقد جمع والدنا الشيخ محمد الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه بين تلك النصوص في دفع إيهام الاضطراب عند قوله تعالى :﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ [ التوبة : ٣٠ ]، المتقدم. ذكرها جمعاً مفصلاً مفاده أن الشرك الأكبر المخرج من الملة أنواع، وأهل الكتاب متصفون ببعض دون بعض، إلى آخر رحمه الله تعالى علينا وعليه.
ولعل في نفس آية ﴿ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ﴾، فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه من وجهين :
الأول : قوله تعالى :﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ ﴾ [ التوبة : ٣٠ ]، أي يشابهونهم في مقالتهم، وهذا القدر اتصف به المشركون من انواع الشرك.
الثاني : تذييل الآية بصيغة المضارع عما يشركون بين ما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة بالاسم والمشركين.
ومعلوم أن صيغة الفعل تدل على التجدد والحدوث، وصيغة الاسم تدل على الدوام والثبوت، فمشركو مكة وغيرهم دائمون على الإشراك وعبادة الأصنام، وأهل الكتاب يقع منهم حيناً وحيناً.