وفي هذه الآية الإخبار بأن الله رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولم يبين زمن هذا الرضوان اهو سابق في الدنيا أم حاصل في الجنة، وقد جاءت آية تبين أنه سابق في الدنيا، وهي قوله تعالى :﴿ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم ﴾ [ التوبة : ١٠٠ ]، فقوله تعالى :﴿ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾، ثم يأتي بعدها ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ﴾.
فهو في قوة الوعد في المستقبل، فيكون الإخبار بالرضى مسبقاً عليه.
وكذلك آية سورة الفتح في البيعة تحت الشجرة إذ فيها ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ﴾ [ الفتح : ١٨ ]، وهو إخبار بصيغة الماضي، وقد سميت " بيعة الرضوان ".
تنبيه
في هذا الأسلوب الكريم سؤال، وهو أن العبد حقاً في حاجة إلى أن يعلم رضوان الله تعالى عليه، لأنه غاية أمانيه، كما قال تعالى :﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ [ التوبة : ١٠٠ ]. أما الإخبار عن رضى العبد عن الله، فهل من حق العبد أن يسأل عما إذا كان هو راضياً عن الله أم لا؟ إنه ليس من حقه ذلك فعلاً، فيكون الإخبار عن ذلك بلازم الفائدة، وهي أنهم في غاية من السعادة والرضى فيما هم فيه من النعيم إلى الحد الذي رضوا وتجاوزا رضاهم حد النعيم إلى الرى عن المنعم.
كما يشير إلى شيء من ذلك آخر آية النبأ ﴿ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ [ النبأ : ٣٦ ]، إنهم يعطون حتى يقولوا : حسبنا حسبنا، أي كافينا.
قوله تعالى :﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾.
اسم الإشارة منصب على مجموع الجزاء المتقدم، وقد تقدم أنه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهنا يقول : إنه لمن خشي ربه، مما يفيد أن تلك الأعمال تصدر منهم عن رغبة ورهبة.