واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال : إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه، فتبني المقبرة وتشتري التابوت، وتفصل الكفن، وتغزل العجوز الكفن، فيقال : هذا كله للديدان، فأين حظ الرحمن! بل المرأة إذا كانت حاملاً فإنها تعد للطفل ثياباً، فإذا قلت لها : لا طفل لك فما هذا الاستعداد ؟ فتقول : أليس يبعثر ما في بطني ؟ فيقول الرب لك : ألا يبعثر ما في بطن الأرض، فأين الاستعداد، وقرىء ( وحصل ) بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر.
إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
اعلم أن فيه سؤالات :
الأول : أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة، وذلك يقتضي سبق الجهل وهو على الله تعالى محال : الجواب من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول : إن من لم يكن عالماً، فإنه يصير بسبب الاختبار عالماً، فمن كان لم يزل عالماً أن يكون خبيراً بأحوالك! وثانيهما : أن فائدة تخصيص ذلك الوقت في قوله :﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مع كونه عالماً لم يزل أنه وقت الجزاء، وتقريره لمن الملك كأنه يقول : لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك، فكأنه تعالى يقول : لست كذلك.
السؤال الثاني : لم خص أعمال القلوب بالذكر في قوله :﴿وَحُصّلَ مَا فِى الصدور﴾ وأهمل ذكر أعمال الجوارح ؟ الجواب : لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلب.
فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح، ولذلك إنه تعالى جعلها الأصل في الذم، فقال :﴿آثم قَلْبُهُ﴾ [ البقرة : ٢٨٣ ] والأصل في المدح، فقال :﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [ الأنفال : ٢ ].


الصفحة التالية
Icon