وفضلا عما يمنحه هذا الاتصال للكائن الإنساني من قوة وامتداد وانطلاق، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعا بالوجود وما فيه من جمال، ومن مخلوقات تتعاطف أرواحها مع روحه. فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان... وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأنس بالحياة والكون كأنس الحبيب بالحبيب. وهو كسب لا يعدله كسب. وفقدانه خسران لا يعدله خسران...
ثم إن مقومات الإيمان هي بذاتها مقومات الإنسانية الرفيعة الكريمة...
التعبد لإله واحد، يرفع الإنسان عن العبودية لسواه، ويقيم في نفسه المساواة مع جميع العباد، فلا يذل لأحد، ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار.. ومن هنا الانطلاق التحرري الحقيقي للإنسان. الانطلاق الذي ينبثق من الضمير ومن تصور الحقيقة الواقعة في الوجود. إنه ليس هناك إلا قوة واحدة وإلا معبود واحد. فالانطلاق التحرري ينبثق من هذا التصور انبثاقا ذاتيا، لأنه هو الأمر المنطقي الوحيد.
والربانية التي تحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان تصوراته وقيمه وموازينه واعتباراته وشرائعه وقوانينه، وكل ما يربطه بالله، أو بالوجود، أو بالناس. فينتفي من الحياة الهوى والمصلحة، وتحل محلهما الشريعة والعدالة. وترفع من شعور المؤمن بقيمة منهجه، وتمده بالاستعلاء على تصورات الجاهلية وقيمها واعتباراتها، وعلى القيم المستمدة من الارتباطات الأرضية الواقعة.. ولو كان فردا واحدا، لأنه إنما يواجهها بتصورات وقيم واعتبارات مستمدة من الله مباشرة فهي الأعلى والأقوى والأولى بالاتباع والاحترام.


الصفحة التالية
Icon