وقال القاسمى :
سورة العصر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾
أي : الدهر، أقسم تعالى به لانطوائه على تعاجيب الأمور القارّة والمارّة. ولذا قيل له : أبو العجب. ولأنه يذكر بما فيه من النعم وأضدادها. فينبّه الْإِنْسَاْن على أنه مستعد للخسران والسعادة. وللتنويه به والتعظيم من شأنه، تعريضاً ببراءته مما يضاف إليه من الخسران والذم. كما قيل :
~يَعيبون الزمان وليسَ فيه معيب غير أهلٍ للزمان
وجوّز أن يراد بالعصر الوقت المعروف الذي تجب فيه صلاة العصر.
قال الإمام : كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم مالا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضاً. فيتوهم الناس أن الوقت مذموم. فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، كما اعتاد الناس أن يقولوا : زمان مشؤوم، و : وقت نحس، و : دهر سوء، وما يشبه ذلك. بل هو عادّ للحسنات كما هو عادّ للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع. فكيف يذم في ذاته، وإنما قد يُذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة !
﴿ إِنَّ الْإِنْسَاْن لَفِي خُسْرٍ ﴾ أي : خسران، لخسارته رأس ماله الذي هو نور الفطرة والهداية الأصلية، بإيثار الحياة الدنيا واللذات الفانية والاحتجاب بها وبالدهر، وإضاعة الباقي في الفاني.
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي : بالله وبما أنزل من الحق، إيماناً مُلك إرادتهم فلا يعملون إلا ما يوافق اعتقاداتهم، كما قال :﴿ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ﴾ قال القاشانيّ : أي : من الفضائل والخيرات، أي : اكتسبوها فربحوا زيادة النور الكمالي على النور الاستعدادي الذي هو رأس مالهم.


الصفحة التالية
Icon