وأقول : لا نسلم أنه تعالى لم يسلط على كفار مكة عذابه لأنه أمر نبيه ﷺ بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم، ثم فصل الفعل المذكور المتعجب منه بقوله ﴿ ألم يجعل كيدهم في تضليل ﴾ أي في تضييع وإبطال يقال : ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ومنه قولهم لا مرىء القيس " الملك الضليل " لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه. كادوا البيت أولاً ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحاج إليها فضلل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيه. وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم. ومعنى أبابيل طرائق أي جماعات متفرقة الواحدة إبالة وفي أمثالهم " ضغث على إبالة " شبهت الطير في اجتماعها بالإبالة وهي الحزمة الكبيرة، قال أبوعبيدة : وقيل أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، والعباديد الفرق الذاهبون في كل وجه قاله الأخفش والفراء. وقال الكسائي : سمعت بعضهم يقولون : واحدها أبول كعجول وعجاجيل. والتنكير في ﴿ طيراً ﴾ إما للتفخيم لأنها كانت طيراً أعاجيب أو للتحقير لأنها كانت صغار الجثة وهذا أدل على كمال القدرة. وذكروا في وصفها عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنها كانت لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كاكف الكلاب. وفي ﴿ سجيل ﴾ أقوال أحدها : أن اللام مبدلة من النون وأصله سجين وقد مر أنه علم لديوان الشر كأنه قيل : بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون. وجوز في الكشاف أن يكون اشتقاقه من الإسجال والإرسال لأن العذاب موصوف بذلك. وعن ابن عباس أنه معرب سنك كل وقيل : هو طين مطبوخ والعصف ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد تفتته الرياح وتأكله المواشي. وقال أبو مسلم : هو التبن كقوله
﴿ والحب ذو العصف والريحان ﴾
[الرحمن : ١٢] وقال الفراء : هو أطراف الزرع. وقيل : هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره، والمأكول الذي وقع فيه الأكال أي الدود ونحوه أي الذي أكلته الدواب وراثته إلا أنه جاء على آداب القرآن كقوله
﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾