﴿ مِن شَرّ مَا خَلَقَ ﴾ أَيْ مِنْ شَرِّ ما خلقَهُ منَ الثقلينِ وَغيرِهِما كائناً ما كانَ منْ ذواتِ الطبائعِ والاختيارِ وهَذَا كَمَا تَرَى شَاملٌ لجميعِ الشرورِ فمَنْ توهَم أنَّ الاستعاذةَ هَهُنا من المضارِّ البدنيةِ وأنَّها تعمُّ الإنسانَ وغيرَهُ مِمَّا ليسَ بصددِ الاستعاذةِ ثُمَّ جعلَ عُمومَهَا مَداراً لإضافةِ الربِّ إلى الفلقِ فقدْ نَأَى عنِ الحَقِّ بمراحلَ وإضافةُ الشرِّ إليهِ لاختصاصِهِ بعالمِ الخلقِ المؤسسِ على امتزاجِ الموادِّ المتباينةِ وتفاعلِ كيفياتِهَا المتضادةِ المستتبعةِ للكونِ والفسادِ وأما عالمُ الأمرِ فهُوَ خيرٌ محضٌ منزهٌ عنْ شوائبِ الشرِّ بالمرةِ وقولُهُ تعالَى :﴿ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ ﴾ تخصيصٌ لبعضِ الشرورِ بالذكرِ معَ اندراجِهِ فيما قبلَهُ لزيادةِ مساسِ الحاجةِ إلى الاستعاذةِ منْهُ لكثرةِ وقوعِهِ ولأنَّ تعيينَ المستعاذِ منْهُ أدلّ على الاعتناءِ بالاستعاذةِ وأدعَى إلى الإعاذةِ أيْ وَمِنْ شرِّ ليلٍ مُعتكرٍ ظَلامُهُ مِنْ قوله تعالَى :﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ ﴾ وأصْلُ الغسْقِ الامتلاءُ يقالُ غسقتِ العينُ إذا امتلأتْ دمعاً وقيلَ هُوَ السيلانُ وغسقُ الليلِ انصبابُ ظَلامِهِ وغسقُ العينِ سيلانُ دمعِهَا وإضافةُ الشرِّ إلى الليلِ لملابستِهِ لَهُ بحدوثِهِ فيهِ وتنكيرُهُ لعدمِ شمولِ الشرِّ لجميعِ أفرادِهِ ولا لكُلِّ أجزائِهِ وتقييدُهُ بقولِهِ تعالَى :﴿ إِذَا وَقَبَ ﴾ أيْ دخلَ ظلامُهُ في كُلِّ شيءٍ لأَنَّ حدوثَهُ فيهِ أكثرُ والتحرزَ منْهُ أصعبُ وأعسرُ ولذلكَ قيلَ الليلُ أَخْفَى للويلِ وقيلَ الغاسقُ هُوَ القمرُ إذَا امتلأَ ووقوبُهُ دخولُهُ في الخسوفِ واسودادُهُ لمَا رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رضيَ الله عنْهَا أنَّها قالتْ أخذَ رسولُ الله ﷺ بيدي فأشارَ إلى القمرِ فقالَ تعوذِي بالله تَعَالَى منْ شَرِّ هَذا فإنَّهُ الغاسقُ إذَا وقبَ وقيلَ التعبيرُ عنِ القمرِ