﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ [ الإسراء : ١٢ ]، فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل ؛ فأمره بالاستعاذة من ذلك أمرٌ بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته. والدليل مستلزم للمدلول. فإذا كان شر القمر موجوداً، فشر الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره. فتكون الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى :< هو مسجدي > هذا مع أن الآية تتناول مسجد قباء قطعاً، وكذلك قوله عن أهل الكساء :< هؤلاء أهل بيتي > مع أن القرآن يتناول نساءه ؛ فالتخصيص لكونه المخصوص أولى بالوصف ؛ فالقمر أحق ما يكون بالاستعاذة، والليل مظلم منتشر فيه شياطين الإنس والجن مالا تنتشر بالنهار، ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسرقة والخيانة والفواحش وغير ذلك ؛ فالشر دائماً مقرون بالظلمة. ولهذا إنما جعله الله لسكون الآدميين وراحتهم، لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار، ويتوسلون بالقمر وبدعوته وعبادته، وأبو معشر البلخيّ له " مصحف القمر " يذكر فيه من الكفريات والسِّحريات ما يناسب الاستعاذة منه. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.